تجد ،أيها الزائر المفضال، رفقته العدد الأول من نشرة " عتبات " : مجلة الإبداع التلميذي التي ينشرها نادي
نقد وظيفة المتعة في
فيلم مرجان أحمد مرجان ×
قراءة في نسقية الحدث الكوميدي
بقلم /عبدالرزاق المصباحي
لا يختلف اثنان حول القيمة الفنية التي يمثلها الممثل المصري الشهير"عادل إمام" أو حول جماهيريته الكبيرة،التي يحظى بها في ربوع العالم العربي، وهي قيمة بوأته مرتبة سنية جعلته نجم الكوميديا المحبوب والأوحد و"زعيم" المسرح والفن السابع؛لكن الإجماع الكبير لمحبيه يصطدم بالمواقف الأخيرة التي أعلن عنها (دعمه العلني لتوريث الحكم في مصر لجمال مبارك،سخريته من تظاهر الشعوب العربية والإسلامية ضد الحرب على غزة وبخسه لعمل المقاومة في فلسطين). مواقف أثارت الكثير من اللغط، فاتهمه كثيرون بأنه تحول من الزعيم إلى متحدث باسم السلطة في مصر،فصار فنان البلاط قياسا إلى شعراء البلاط في العهود العربية القديمة حيث كان الشعراء من حاشية الملك أو الخليفة يمدحونه وينصرونه بألسنتهم الفتاكة إذا ما اجترأ عليه أحد . وحقَّ مماثلة ما يحدث مع عادل إمام بالمتنبي ،وهي مماثلة جائزة: إذ كلاهما تقرب من السلطة ومدحها،وكلاهما أشهر من نار على علم،وكلاهما اغتنى من الاقتراب من السلطة حتى صارت الأنا النسقية عندهما من التضخم ما يلغي الآخر ويطوعه. ولأن الزمن الآن زمن الصورة و ليس الشعر، فإن عادل إمام يؤمن_ربما_ بقدرة نجوميته التي خلقتها الصورة على جعله يتسلق مراتب السلطة بعدما كان معارضا لها فيما يبدو،على أننا نقدم هذا الأمر بصيغة الافتراض لا الجزم. فهل يجسد عادل إمام الشخصية النسقية في شريطه مرجان أحمد مرجان ؟ وإذا كان كذلك فما هي تمظهرات هذه النسقية ؟
1) المفهوم الإجرائي للنسقية والنسق:
يتحدد مفهوم النسقية في القراءة الثقافية ( النقد الثقافي)عند منظره العربي عبدالله الغذامي في كونه مجموعة من الصفات السلبية التي تميز الإنسان العربي والتي لها القدرة على الاختفاء والخداع بحيث تظهر بشكل مقبول اجتماعيا،ويقصد بالأنا النسقية : الأنا المتضخمة ، الناسخة للغير والمتعالية عليه، و التي تتصم بصفات سلبية ك :شخصية الشحاذ و المنافق والكذاب والفحل … و غيرها، وهي صفات كرسها الشعر قديما وكرستها المؤسسسة النقدية والسلطة السياسية أيضا التي كانت تشجع تناميها وتقوض كل خروج عنها .
لقد أضاف الغذامي الوظيفة النسقية إلى الوظائف الست المعروفة في نموذج "ياكبسون"التواصلي وحدد لها شروطا لا بد من توفرها بحيث إن توفرها مجتمعة يجعل من العمل قابلا لكي يكون موضوعا للقراءة الثقافية وهي :
_ أنها تفترض وجود نسقين متعارضين أحدهما ظاهر و الآخر خفي في نص واحد .
_ أن يكون المضمر في النص نقيضا وناسخا للعلني.
_ لابد أن يكون النص جميلا ويستهلك بوصفه جميلا (الجمالية هنا من منظور ما يسميه الرعية الثقافية لا المؤسسة النقدية )
_ لا بد أن يكون النص جماهيريا و يحظى بمقروئية (متابعة) عريضة 1
إن هذه الشروط التي أقرها الغذامي للوظيفة تتوفر في شريط "مرجان أحمد مرجان" ،فهو عمل جماهيري من جهة بطله ومن جهة عرضه في الصالات السينمائية وعلى الأشرطة المضغوطة، ويتضمن نسقا مضمرا (قيم سالبة) في مقابل تقديمه على نحو مقبول ظاهريا باعتباره واقعا(تقديم الرشوة على سبيل التمثيل)،وهو عمل تتوفر فيه معالم الجمالية التي تأخذ بلب المتلقي وتسرق منه الضحك في أكثر من موقف و يستهلك بهذا الوصف.
2) أحداث الفـــــيلم :
تدور قصة فيلم "مرجان أحمد مرجان" حول قصة رجل أعمال فاحش الغنى اسمه مرجان احمد مرجان (عادل إمام)،ويمتلك مصانع متعددة تكتسح مجالات مختلفة،لكنه رغم ثروته الكبيرة لم يكمل تعليمه الأمر الذي يحرج ابنيه: عدي(شريف سلامة) وعلياء( بسمة ) أمام زملائهما،لينطلق في رحلة إرضاء لابنيه الوحيدين،فيصدر"ديوان شعر" اشترى قصائده من زجال و نسبه لنفسه، وحين اكتشف أمره ، التحق بالجامعة التي يدرس بها أبناؤه، واشترى ضمائر الأساتذة وحصل في أكثر من مادة على نقطة الامتياز باستثناء مادة الحضارة التي تدرسها الدكتورة جيهان مراد (ميرفت أمين) التي تمنعت ضد مغرياته ،كما شارك في المسرح والرياضة وفاز فيها متفوقا على الباقين بسبب نفوذه وأمواله التي يتحكم من خلالها بصانعي القرار والفاعلين من مختلف الأطياف. لكنه بعد عدم تمكنه من الحصول على امتحان مادة الحضارة قبيل إجراء الامتحان وضبطه يغش من قبل د/ جيهان مراد ،واجه ابنته "علياء" التي اعتبرته أبا غير مشرف،فقام بصفعها لتفقد القدرة على الكلام ،فيراجع أوراقه وتصرفاته ويأمر مساعده حسن بإرسال عدد من الناس البسطاء إلى الحج، ويقرر أن يراجع دروسه دون غش، فيتوفق في مشوراه ويحصل على الشهادة التي تمناها. 3) نقد وظيفة المتعة : لا شك أن أحداث فيلم مرجان بارتكازها على كوميديا المواقف تستطيع أن تستلب المتتبع للعمل بحيث تجعله يغرق في موجة ضحك، وهو ضحك ناجم عن شعور خاص بالمتعة ناتجة بدورها عن الاستهلاك الجمالي الصرف للعمل الفني؛بيد أن المساءلة الثقافية لمحتوى المواقف المضحكة تجعلنا نطرح التساؤل على هذا النحو: أي مواقف تلك التي تضحكنا؟ إن خطورة ال
السادة الزوار
تجدون في الرابط أسفله ،إعلانا عن جائزة مجلة مقاربات للبحث العلمي لسنة 2010 بالإضافة إلى استمارة المشاركة
مع المودة
شـــــــــــــرفة (2) : زمن الوصـــل
عبدالرزاق المصباحي
تأخذك المفاجأة حين يقف شخص بسيارته ويدعوك إلى أن يوصلك،يسلم عليك بحرارة ويعانقك كأنه صديق قديم محب أبعدته الظروف عنك قسرا،يبتسم بفرح طفولي في وجهك،وتتحرج أنت لأن ذاكرتك لم تسعفك في تذكره،وحين يستشعر منك النسيان ،يؤشر على المفتاح .
تفاجأ حين تعلم أن لقاء عن بعد ،لقاء روحي ،هو سر هذا الترحيب الجميل،وتتساءل في قرارة نفسك ،أيكون للكلمة كل هذا التأثير؟ أن تكون لها كل هذه القدرة على الامتداد في الزمن ؟ما معنى أن يسمعك زميل دراسة وبشعبة غير شعبتك ولم تجمعكما علاقة شخصية تلقي محاولة شعرية بين حشد من الشعراء ليقول بعد سنوات وقد بدأت رتابة العمل والحياة تعتريك "والله راه كنت عزيز علينا بزاف ".
"عزيز علينا " كلمتان هما شجرة محبة تخلد في وجه الزمن وجبروته وسطوة الحياة العولمية واستلاباتها المدمرة ،حجرة أمل تنثر فوق مياه الاعتياد فتحركها لتبحث عن القشيب الجديد، تركيب من مفرد يحتوي الجمع و يذكرك بمسؤوليتك عن ورطاتك الجميلة التي لا فكاك منها.
إنه انزياح أجمل معانيه : قوة الانسياب في الذوات الإنسانية عبر دواة الإبداع ،هذا ما فعله الأدباء والكتاب الكبار قديما وحديثا، هؤلاء الراسخون في الحلم والعقل معا،الذين اختطوا لنا الطريق بكل وعي ومكر، ملكونا بكلماتك الساحرة وأثر بعضهم في مسار حياتنا ،وكم تفرج كلمات بعضهم عن كربة،تستقدم الفرح أو تبعد ترحا متربصا،تعضد من رأي هذا وتضعف تصور ذاك،وتمتد غير آبهة بزمن أو جغرافيا.لهذا نحب كثيرا منهم.
إذن،هي المحبة الخالصة من أي مصلحة ،تلك المتع
انتخاب شعرية التعالي النصي مدخلا لمقاربة أضمومة الشاعر المتميز إبراهيم القهوايجي " للأزهار رائحة الحزن " ، انطلق _ بالنسبة إلي _ من علاقة سابقة مع نص " ما تيسر من سفر العيد " ، وهي علاقة قراءة بريئة _ غير نقدية _ ، ألفيت من خلالها أن معطى التناص يخترق عالم النص ؛ بل يشكل بنية القصيدة و يتحكم في مفاتيح قراءتها واستكناه السيرورات الدلالية الكامنة خلف تلك البنية ، و بعد أن وصلتني باكورة الشاعر تيقنت أن التناص منطلَق جوهري ناظم ومركزي : تشتغل عليه قصائد الديوان بأبعاد خاصة و باستحضار متفرد ، بالإضافة إلى التوزيع الإيقوني للدوال البصرية ، و خطاب العتبات من عنونة و عنونة داخلية وإهداء و تقديم … .
1 - في حصر مفهوم الاشتغال :
المتعاليات النصية مصطلح نظر له الناقد الفرنسي جيرار جنيت في كتابه "عتبات " حيث اعتبره موضوع الشعريات الحديثة ف " موضوع الشعرية (…) ليس هو النص باعتبار تفرده و تميزه _ كما يقول جنيت _ بل موضوعها هو جامع النص (… ) أو الأجدر القول بأن هذا الموضوع هو التعالي النصي " 1 ، و لقد عرفه بأنه " كل ما يجعل النص في علاقة ظاهرة أو خفية مع نصوص أخرى " 2 . هاته العلاقات يمكن أن تكون علاقات تناصية ، مناصية ، ميتانصية ، تعلقا نصيا أو جامع نص . و هي أنواع خمسة تندرج ضمن ما يسميه جنيت التعالي النصي.
و سيتم الاقتصار في هذه الورقة على مقاربة عنصرين في المتعالي النصي هما : المناص أو النص الموازي و التناص .
- النص الموازي:
يشمل النص الموازي كل ما يحيط بالنص و يدور في فلكه من عنوان و مقدمة وفهرس و إهداء وصور مرفقة بالنص… و غيرها، باعتبار ها عتبات الولوج الأولى للمتن، ومدخلا أساسا من مداخل قراءته.
أ – العــــــــــــنوان:
يطالعنا الديوان بعنوان "مثير " من الإثارة و هي الوظيفة الشعرية للعنوان ذات الأبعاد الجمالية ؛بالقياس إلى الوظيفة " المشيرة " أي الوظيفة المرجعية للعنوان بإشارة داله – بصريا أو لغويا أو هما معا – إلى تصور متواضَع عليه و مرجع واقعي محدد .
و الجدير بالقول إن عنوان الديوان " للأزهار رائحة الحزن " يخرج في داليه الإيقونيالبصري واللغوي عن هاته الوظيفة ، و يعانق بالمقابل عوالم دلالية مختلفة و متباينة و عصية على التحديد المنطقي الصارم و الجامع .
فهو يتموقع – طباعيا – في أعلى صفحة الغلاف مباشرة تحت اسم المؤلف ، وفوق لوحة الغلاف؛ التي أبدعتها الفنانة الفلسطينية حنان الآغا ، مكتوب بخط أسود بارز في حواشيه بياض ، جعله يحتل فضاء متسعا . توزيع بهذا الشكل له دلالته الخاصة ، إذ يومئ الشكل البارز للعنوان و توسطه لصفحة الغلاف أهميته بالمقارنة مع العناصر الإيقونية الأخرى من اسم المؤلف _ رغم وضعه في رأس الصفحة _ و العبارة التجنيسية " نصوص شعرية " و اسم الناشر " دفاتر الاختلاف " ، يعضد التأكيد على هذه الأهمية التحليل اللغوي للعنوان : إذ جاء _ تركيبيا _ جملة اسمية انزاحت عن النسق المحايد لتركيب الجملة في لغة الضاد حيث تقدم الخبر ( شبه الجملة ) "للأزهار " على المبتدإ المركب الإضافي " رائحة الحزن " ، و استنادا إلى اللسانيات الوظيفية ، فإن لهذا التقديم قصدية تواصلية هي جعل المقدَم في الكلام بؤرة اهتمام .
من هذا المنطلق تغذو الأزهار بؤرة العنوان و محددَه ، لكنها ليست أزهارا عادية لأنها تمتلك رائحة حزينة ، و هذا إسناد تركيبي منزاح له أثر على مدلول العنوان وطبيعة الوظيفة المهيمنة فيه ، فالأزهار في الدلالة الاصطلاحية رمز للجمال والخصب ، إنها هدية العاشق لمحبوبته ، و علامة زمن الانبعاث و الحياة الدافـــــئة " الربيع " ، و توسم بأنها ذات رائحة أرجة ، و في عنوان الديوان إرهاصات معنوية مغايرة حيث تغرق الأزهار في الحزن و تنشره كما تنتشر الرائحة في الهواء ، و أزهار العنوان هنا تبدو معادلا موضوعيا لقصائد الديوان ، فكما أنها _ أي القصائد_ تتضمن جمالا بنيويا (الرائحة العبقة التي هي من طبيعة الأزهار ) فإنها تفصح عن حزن دفين آثر الشاعر مقاسمته و القارئ َ، ويفضح بعضا من سواد العالم و شره و جزءا هاما من رؤية الشاعر لمحيطه المحلي والقومي والإنساني ، و هي أزهار تجول في أمكنة مختلفة و أزمنة متباينة تقوض سلطتها ، فتقذف الشاعر أحيانا إلى تغريبة الوالد و العراق و إلى الوطن القصيدة والمدينة المعشوقة ( سبع عيون ) .. . و غيرها من أمكنة حبلى بذاكرة يقظة وممتدة . وليس من غريب أن نجد المفردات الصريحة و الإبدالات المصطلحية الحافة بلفظ الأزهار متضمنة في العناوين الداخلية للقصائد :
بيني و بينك زهر أيلول - زهرة ترسم الألف ميل – لا اسم لها تلك الوردة -…
أو في المعاني الحزينة المرتبطة بالعنوان: سيرة الألم - هكذا حدثني الغياب .
إن العنوان عند إبراهيم القهوايجي يتأسس على المفارقة ironie من حيث هي صيغة بلاغية تودي غير وظيفة دلالية من خلال اعتمادها على الجمع بين المتناقضات و الأضداد التي لا تجتمع حقيقة 3 . و هي مفارقة تندرج ضمن نوع المفارقة المأساوية ** بإلباس الأزهار وصفا غير ذلك الذي هو من صميم طبيعتها وتتحد هذه المأساوية مع اللون الأسود الذي كتب به العنوان ، و هو لون المأساة والموت و حالات السديم و التعمية بل الفوضى ، رغم ما يتخلل العنوان في حواشيه من لون أبيض أو في سند support صفحة الغلاف البيضاء و مراميهما المرمّزة في التخفيف من سوداوية المعاني المؤشَّر عليها . و بالتالي فإن الشاعر في عنوانه لا يصادر عن المطلوب و يمنع فرصة الحلم في الأمل و الحياة ، بالرغم من كل المثبطات و كل ما يحيط بنا من ابتذال في القيم و انحطاط في اعتبار قيمة الإنسان ؛ بل ما يصنع إنسانيته و يسمو بها ، و لعل من بين أهمها الشعر : لذا لا نستغرب كل هذا الحضور للشعر موضوعا في قصائده و عناوين تلك القصائد : وطني .. قصيدتي – قل قصيدتك … و ارحل – توقيعات شاعر على صدر دفتر - خلوة … ظل قصيدك . و لا نستغرب استحضار أسماء شعرية وازنة في المتن والإهداء، كما لا نستغرب حضور الحديث عن الشعر و الشاعر في خطاب المقدمة والمدخل.
ب – الإهــــــــــــداء:
الإهداء عتبة لها أهميتها في أي إمكانية قرائية للمتن ، و صيغها ثلاث هي : صيغة الإهداء الخاصة والعامة و المشتركة ، فالخاصة تتميز بطابعها الشخصي وبالعلاقات الحميمة التي يمكن أن تجمع المؤلف بأشخاص بعينهم من محيطه ، أما الصيغ العامة فلا تتحدد بأشخاص بعينهم فقد يكون المهدي له القارئ أو الذات أو النص .. . أما صيغ الإهداء المشتركة فتتأسس على التوجه إلى أشخاص معينين و تعنى بالتواشج بين عنوان المؤلَف أو نصوصه 4 .
ورد الإهداء في " أزهار إبراهيم القهوايجي " بصيغة الإهداء المشترك :
" أهدي هذه النصوص التي عشت معها
أكثر مما عاشت معي.
إلى: ريحانة البستان
والفراشتين
و البطل الحالم . "
و الإهداء يبدو حاملا لطابع شخصي إذ قد تكون ريحانة البستان زوج الشاعر والفراشتان ابنتاه و البطل الحالم ابنه ، إلا أن رغبة الشاعر في عدم تقييد إهدائه بأسماء الأعلام جعل المهدى إليه شاملا لكل محب للحرية ( الفراشتان ) و للجمال (البستان ) و للشعر ( الحلم و الريحانة ) ، و من هنا ترشَح العلاقة بين العنوان والإهداء و تظهر وشائجهما في الدعوة إلى الحلم بما هو بعد من أبعاد القول الشعري و مقوم من مقومات دهشته كما تصرح بذلك السريالية والرومانسية على حد سواء .
ينسحب ذلك أيضا على الإهداءات الداخلية بالرغم من إقرار أسماء بعينها : إلى محمد أمين في مهده ( قصيدة سيرة الألم ) ، إلى حنان و هي تتسكع في رحلة الحرف ( توقيعات شاعر على صدر دفتر ) ، إلى جميلة في الحقيقة و المجاز ( امرأة من رماد ) ، إلى نورس الدارالبيضاء عبدالسلام مصباح في عيد الشعر ( ما تيسر في سفر العيد ) ، إلى المرحوم محمد بن عمارة ( على سبيل الرحيل ) … الخ : تتعالق هذه الإهداءات و غيرها بشكل لافث بمتن النص بقصديات مختلفة : بأن يكون المهدى إليهموضوع القصيدة احتفاء بقدوم ( محمد أمين ) أو استحضارا لفضل ( عبدالسلام مصباح ) أو تأبينا ( محمد بنعمارة ) . و هو الأمر الذي يمكن أن نفصل الحديث فيه في الجزء الخاص بمقاربة التناص عند البهي إبراهيم .
ج- الهرمينوطيقا الأولية (خطاب التقديم) :
يشير doninque julien من خلال مصطلح " الهرمينوطيقا الأولية " إلى وظيفة التقديم المركزية بوصفه : خطابا واصفا و قولا ممهدا للنص بغايتين متكاملتين :
أولها أن يجعل العمل الإبداعي مقروءا و ثانيها أن يجعل قراءته حسنة ، و هي وظيفة إشهارية تثير المتلقي إلى الجوانب المميزة للنص ، و تجنبه _ في أحايين كثيرة _ القراءات المغرضة ، رغم أن القراءة نفسها هي إساءة قراءة كما يقول "دومان" . و هنا ينبغي التمييز _ كما يقول ديريدا _ بين المدخل و التقديم : من حيث كون المدخل يرتبط ارتباطا نسقيا بالنص غير متأثر بالطبعات وتواريخها ، ويعالج قضايا ذات صلة بهندسة النص و منطق بنائه أما المقدمة فتختلف بين طبعة و أخرى، وتستجيب لمتطلبات سياقية و تداولية 5 .
تأسيسا على هذا فإن الخطاب الواصف الذي تم تصدير الديوان به بقلم د / أسماء غريب ، و الممتد من الصفحة الأولى إلى الثانية عشر ، هو مدخل و ليس مقدمة باعتباره انشــــــغل بتشريح بعض بنيات الديوان الموضوعية ، حيث تناولت بالتحليل الدلالات الممكنة الحافة بالعنوان و تصورها الشخصي لمراميه و أبعاده ، كما تناولت بالمقاربة الإهداء َ و ثلة من القصائد المنتقاة من درر الديوان و جواهره ،رابطة إياها بأحداث تاريخية و في الحاضر تصم العالم : أحداث العراق على وجه التمثيل لا الحصر ،بالإضافة إلى حديث عن شاعرية إبراهيم القهوايجي يستحقها الشاعر و بوسام أيضا .
و في السياق نفسه ، يمكن إدارج "مدخل " بهيجة مصري إدلبي الموسوم ب " الاحتفاء بالشعر : الغيبة و الغياب " ؛ الذي ركز في مضمونه على ثيمة التصوف والغياب عند الشاعر .
2 - التــــــــــــــــــناص :
يعي إبراهيم القهوايجي جيدا أنه يكتبه نصا إبداعيا ذا طبيعة خاصة ، يقع على الحدود بين أجناس متعددة و أشكال تعبير مختلفة ، لذا يتريث في إبداع قصائده ، ولنلحظ أن الغلاف الزمني لقصائد الديوان الستة عشر تطلب سبعة عشر سنة ،كما هو مثبت في غلاف ما قبل الصفحة الرابعة للغلاف . إننا إذا أمام "حوليات " شاعر ، و هي مدة كفيلة بأن تعكس لنا رؤى الشاعر للعالم و لمحيطه من خلال هذا المنجز ، و هي رؤى لا تقدم نفسها بشكل مباشر بقدر ما هي صدى يمكن أن نلتقطه من خلال ولوج إهاب النص ، هذا النص الذي تم توسيع مفهومه ف" ما حدث – كما يقول جاك ديريدا - …هو عملية اجتياح أبطلت كل الحدود و التقسيمات السابقة و أرغمتنا على توسيع المفهوم المتفق عليه ….لما ظل يسمى لأسباب إستراتيجية نصا ، لم يعد منذ الآن جسما كتابيا مكتملا ،أو مضمونا يحده كتاب أو هوامشه، بل , شبكة اختلافات ، نسيج من الآثار التي تشير بصورة لا نهائية إلى أشياء أخرى غير نفسها ، إلى آثار اختلافات أخرى ، و هكذا يجتاح النص كل الحدود المعينة له حتى الآن " – 6 - .
إنها آثار تأخذ بعين الاعتبار قارئا معينا ،ترمي إلى انتشاله من كسله في التلقي المحايد إلى التلقي المنتج ، كما لا نغفل قيمتها في بلورة قالب جمالي للمبدع ( بفتح الدال ).
ونعود للتأكيد هنا على ثقافة الشاعر و وعيه بهاته الأبعاد ، إذ لإبراهيم القهوايجي تكوين نقدي رصين ،ودربة متميزة في مجال النقد تظهر في قراءاته العاشقة والواعية لأعمال الزملاء . ومن المفيد في هذه القراءة أن نستحضر العلاقة الجدلية بين المبدع و الناقد ، فمما لا شك فيه أن المبدع أول ناقد لعمله وأول موجه له ، كان ناقدا ملما بأدوات النقد أم غير ذلك ، لكن علاقة الشاعر / الناقد بنصه تختلف باختلاف امتلاك تلك الأدوات من دونها ، وقد يجوز التسليم هنا بأن ذلك الأثر قد ألقى بظلاله على المنجز، فالوعي بأهمية التناص و دوره الاستراتيجي في بناء النص الحداثي و تحديد هويته ، جعل منه إطارا هاما للاشتغال و أداة فاعلة في تمرير الرؤى الخاصة ، و قد هيمن التناص الشعري والشاعري ( التناص المرتبط بأسماء شعراء ) بشكل يوحي بكون الشعر لدى إبراهيم القهوايجي انشغال يومي وهوس يلازمه ؛ بل " و يعيش معه " كما صرح بذلك في إهداء الديوان ، من دون أن نغفل ذلك الرجع البهي لقيم الدين الإسلامي و أخلاقه و قَصصه . هكذا نلفى المتنبي والخمار الكنوني و محمد بن عمارة و محمود درويش و سميح القاسم والسياب ونورس الدار بيضاء عبدالسلام مصباح … و غيرها رموزا حاضرة في النسيج النصي و مؤثثة له ولموضوعاته ، لا زمن يمنعها من التحليق الحر ، ففي قصيدة " يقذفني الشوق إلى تغريبة أبي .. . و العراق ." يستحضر سندباد السياب و مطره ، منتظرا إياه ليتطهر من أدران ربطها بفضاء مكناس ، فكأنما السندباد رمز خلاص ، بعودته يطفو الشوق و الرغبة في البوح وفي الحياة حينما تطفو سفينه على بحر المديد :
" و يعود السندباد
فتطفو سفينه في البحر المديد
لأكتب في دفتر انكساري
أشعار ميلادي " / الديوان ص : 14 /
و لعل هذا يقودنا إلى الحديث عن قيمة التماهي عند القهوايجي مع السياب ، تماه في معاناة الان
قراءة مـمـــــتعة
لا تنس زائري الكريم التعليق على محتويات المدونة
مع الشكر